محمود بن حمزة الكرماني
50
اسرار التكرار في القرآن
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ « 1 » . حرصا على بقائهم لمنفعتهم في زعمهم . فقال تعالى : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ « 2 » . وقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ « 3 » ، واستمرت الآيات في سياق يعدد نعم اللّه الجليلة في عشر آيات ، ثم قال : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ « 4 » . وفي سورة ( المؤمنون ) قال تعالى : لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ « 5 » . وفي الزخرف فاكِهَةٌ على التوحيد ، و مِنْها تَأْكُلُونَ بدون واو . والسبب أن القرآن لما راعى لفظ الجنة ، ولما كان الحديث في ( المؤمنون ) عن الجنات بالجمع كانت الفواكه جمعا ، ولما كان الحديث في الزخرف عن الجنة مفردة كانت الفاكهة مفردة ، ثم يعود البحث إلى كشف جديد عن وجه بديع من وجوه الخلاف في حذف الواو من آية الزخرف ، وإثباتها في آية ( المؤمنون ) ، لأنها تتحدث عن جنات الأرض في الدنيا ، وكان حق الكلام أن يقال : منها تبيعون ، ومنها تدخرون ، ومنها تأكلون ، فاقتضى الإيجاز المعجز أن يبقى ما به أساس الحياة مسبوقا بواو تدل على بقية المنافع المقصودة من حدائق الأرض دون إخلال بالمعنى . أما في الزخرف فالحديث عن جنة الخلد ، وليست للأكل فحسب ، فحذف الواو للدلالة على ذلك . ولا حاجة بنا إلى التعليق على هذه الأمثلة القليلة التي انتقيناها من كتاب الكرماني ( أسرار التكرار في القرآن ) لندل على أن هذا التكرار بمعانيه باب واسع من أبواب إعجاز القرآن ، لا يرومه ولا يقاربه بشر على الإطلاق . وأنت يا أخي حيثما طوفت في هذا الكتاب الذي نقدمه في طبعته
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 65 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 66 . ( 3 ) سورة الفرقان : 45 . ( 4 ) سورة الفرقان : 55 . ( 5 ) سورة : المؤمنون : الآية 19 .